السلام الذي يخشاه نظام الملالي

السلام الذي يخشاه نظام الملالي

في كلمتها أمام البرلمان الإيطالي يوم الخميس 16 يوليو/تموز 2026، قدّمت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، قراءة عميقة للأزمة التي يواجهها نظام ولاية الفقيه. لم تتعامل رجوي مع ما يجري في إيران بوصفه مجرد أزمة سياسية عابرة، أو خلافاً تكتيكياً بين أجنحة النظام حول الحرب والتفاوض، بل باعتباره مأزقاً وجودياً يمس طبيعة هذا النظام وأسس بقائه.
فالنظام، رغم الضربات والأزمات التي تعرض لها، لم يتراجع قيد أنملة عن استراتيجيته الأساسية القائمة على ثلاثة أعمدة مترابطة: قمع الشعب الإيراني في الداخل، والسعي إلى امتلاك القنبلة النووية، وتصدير الحرب والإرهاب إلى دول المنطقة. هذه ليست سياسات قابلة للتعديل عبر المساومات أو الاتفاقات المؤقتة، بل أدوات بقاء يعتمد عليها النظام لحماية سلطته وإطالة عمره.
ومن هنا تكتسب الإشارة إلى موقف القيادة الجديدة بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة أهمية خاصة. فقد سارع زعيم النظام إلى التعبير عن عدم ارتياحه، مؤكداً أن لديه، من حيث المبدأ، رأياً مختلفاً. وهذا الموقف لا يكشف نهاية الأزمة، بل يفضح عمق الانقسام داخل بنية السلطة. وكما نقلت السيدة رجوي عن قائد المقاومة الإيرانية مسعود رجوي: «هذا النظام ليس له مستقبل ولا فرصة بدون الحرب».
هذه العبارة تختصر جوهر الأزمة. فالنظام الذي استخدم الحرب والتوتر الإقليمي طوال عقود لتعبئة أجهزته، وتبرير القمع، والهروب من غضب الشعب، يرى في السلام تهديداً مباشراً لوجوده. ولذلك قالت رجوي إن «السلام هو حبل المشنقة للنظام»، لأنه يعيد النظام إلى مواجهة أزمته الحقيقية: مجتمع غاضب، اقتصاد منهار، انقسامات متزايدة داخل السلطة، ومقاومة منظمة تتوسع في عمق المدن الإيرانية.
لقد قامت السياسة الغربية طوال أربعة عقود على وهم إمكانية تغيير سلوك النظام عبر الحوار والاسترضاء والتسهيلات الاقتصادية. غير أن النتيجة لم تكن اعتدالاً ولا استقراراً، بل المزيد من الحروب والتدخلات والتهديدات. فكل مورد مالي حصل عليه النظام تحول إلى وقود لمشاريعه الصاروخية والنووية وشبكات وكلائه، ولم يتحول يوماً إلى تنمية أو تحسين لحياة الإيرانيين.
ولهذا، لا يمكن الرهان على أن النظام سيدخل في يوم ما مرحلة سلام وتعايش طبيعي مع شعبه أو مع المجتمع الدولي. فالتراجع عن القمع والحرب والإرهاب والبرنامج النووي لا يمثل بالنسبة إليه تعديلاً محدوداً في السياسة، بل بداية انهيار منظومته. وقد عبّر وزير خارجية النظام عن هذا المأزق حين قال إن التراجع خطوة واحدة يفتح السؤال حول إلى أين يمكن أن يستمر هذا التراجع.
إن أي سياسة دولية لا تدرك هذه الحقيقة لن تتمكن من تقديم جواب صحيح للمسألة الإيرانية. فالنظام لا يتحرك من موقع قوة، بل من موقع خوف عميق من المجتمع الإيراني. إنه يجلس، كما أكدت رجوي، فوق برميل بارود من الغضب والاستياء، بينما تتسع داخله الخلافات حول ما إذا كان استمرار الحرب طريقاً للبقاء، أم أن إنهاءها قد يكون وسيلة لتأجيل السقوط.
وفي هذا السياق، يصبح الاعتقاد بأن عدم سقوط النظام خلال الحرب يعني أنه خرج منها أقوى استنتاجاً مضللاً. فبقاء النظام بعد القصف الخارجي لا يثبت متانته، بل يؤكد أن التغيير الحقيقي لا يصنع من خارج إيران. والأزمات التي يواجهها اليوم أخطر مما كانت عليه قبل الحرب؛ فالاقتصاد يعيش سقوطاً حراً، والتضخم والبطالة والفقر تتسع، بينما تعجز القيادة الجديدة عن احتواء التناقضات داخل السلطة.
كما أن مجتبى خامنئي لا يمتلك النفوذ السياسي والديني الذي كان يتمتع به والده، ولا يستطيع فرض سلطته على الأجنحة المتصارعة. وهذا الضعف في قمة النظام يتزامن مع مجتمع تجاوز حاجز الخوف، ومع جيل جديد من الشباب ظهر في انتفاضة يناير، وواجه، إلى جانب وحدات المقاومة، قوات الحرس والبسيج.
هذه القوة المتنامية في الداخل هي جوهر الرسالة التي حملتها كلمة مريم رجوي من البرلمان الإيطالي. فالتغيير في إيران لا يأتي من حرب خارجية، ولا من انتظار انهيار تلقائي للنظام، بل من تلاحم الانتفاضة الشعبية مع المقاومة المنظمة، ووحدات المقاومة، وجيش التحرير.
لقد أثبتت التجربة أن أوروبا، بتجاهلها الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، حرمت نفسها من أكثر الأدوات فاعلية في التعامل مع الأزمة الإيرانية. فبدلاً من الرهان على إصلاح نظام غير قابل للإصلاح، كان ينبغي دعم القوة الحقيقية الموجودة على الأرض، والقادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى تغيير ديمقراطي منظم.
ومن هنا، فإن السلام والأمن المستدامين في المنطقة لا يتحققان عبر اتفاقات مؤقتة، ولا عبر ضخ المزيد من الموارد في شرايين النظام، بل عبر إنهاء المصدر الرئيسي للحروب والتطرف وعدم الاستقرار. وهذا، كما أكدت رجوي، يقع على عاتق الشعب الإيراني وانتفاضاته ومقاومته المنظمة.
إن مستقبل إيران لا يمكن أن يُبنى على نظام جعل من القمع والحرب والبرنامج النووي أدوات لبقائه، بل على جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة الشعب، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة، وحقوق الإنسان، والسلام مع دول المنطقة والعالم.
ولهذا كانت الرسالة التي ارتفعت من البرلمان الإيطالي واضحة: لا الحرب ولا الاسترضاء يقدمان حلاً لأزمة إيران. الحل الحقيقي هو دعم الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، لأن نيل الحرية ممكن، ولكن بأيدي الشعب الإيراني نفسه.
[٥‏/٨، ١١:٤٦ م] ‏‪+355 68 406 7164‬‏: *رسالة بريسا كمالي من سجن يزد تؤكد أن آلة الإعدام عجزت عن كسر إرادة المرأة الإيرانية*

قال نظام مير محمدي، الكاتب والحقوقي والخبير في شؤون الشرق الأوسط، إن الرسالة التي وجهتها السجينة السياسية بريسا كمالي من سجن يزد المركزي تمثل شهادة حية على فشل نظام الملالي في تحويل السجون والإعدامات إلى أدوات قادرة على إخضاع المجتمع الإيراني أو كسر إرادة النساء المناضلات.

وأوضح مير محمدي أن العبارة التي أكدت فيها كمالي: «تجاوزنا الخوف من الموت وامتلأنا غضباً ومقاومة» تلخص التحول العميق الذي يشهده المجتمع الإيراني. فالنظام يعتمد منذ عقود على نشر الخوف من الاعتقال والتعذيب والمشنقة، لكنه يواجه اليوم جيلاً من السجناء والمناضلين تجاوز هذا الخوف، وأصبح يرى في القمع سبباً إضافياً للاستمرار في المقاومة، لا للتراجع عنها.

وأضاف أن رسالة كمالي تربط بين المجازر التي ارتكبها النظام منذ عام 1988 وبين موجات القمع والإعدام التي أعقبت الانتفاضات الأخيرة، وتؤكد أن آلة القتل ليست نتيجة تجاوزات فردية أو قرارات قضائية معزولة، بل سياسة ثابتة تستهدف حماية نظام يفتقر إلى الشرعية ويعجز عن مواجهة مطالب الشعب بالحرية والعدالة.

وأشار مير محمدي إلى أن استهداف بريسا كمالي جاء بسبب نشاطها السياسي وصلتها بمنظمة مجاهدي خلق، حيث تعرضت للاعتقال والمحاكمة والسجن، ثم نُقلت بصورة مفاجئة إلى سجن يزد مع تشديد القيود عليها وحرمانها من الرعاية الطبية والاتصالات. وهذه الإجراءات تكشف أن النظام لا يكتفي بسلب حرية السجين السياسي، بل يسعى إلى معاقبته جسدياً ونفسياً وعزله عن عائلته ومحيطه.

وأكد أن النظام يخشى المرأة الإيرانية بصورة خاصة، لأن مشاركتها في المقاومة والانتفاضات تقوض الأسس الفكرية والاجتماعية التي يقوم عليها حكمه. فالمرأة التي ترفض الحجاب القسري، وتواجه السجن، وتدافع عن المساواة وإلغاء عقوبة الإعدام، تمثل نقيضاً كاملاً للنموذج الذي يحاول نظام ولاية الفقيه فرضه بالقوة.

وأضاف أن إيمان كمالي بقيام إيران حرة لا مكان فيها لعقوبة الإعدام يعكس رؤية سياسية واضحة لمستقبل البلاد، تقوم على الكرامة الإنسانية وسيادة القانون، لا على الانتقام والمشانق. وهذه الرؤية تتلاقى مع تطلعات ملايين الإيرانيين إلى جمهورية ديمقراطية تضمن المساواة الكاملة بين المرأة والرجل وتحترم الحريات الأساسية.

ودعا مير محمدي المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والحقوقية إلى التحرك العاجل لحماية بريسا كمالي وسائر السجناء السياسيين، وضمان حصولهم على العلاج والاتصال بعائلاتهم ومحاميهم، ومحاسبة المسؤولين عن التعذيب والاختفاء القسري والإعدامات التعسفية.

وختم بالقول إن رسالة بريسا كمالي ليست استغاثة من امرأة خائفة، بل إعلان تحدٍ صادر من قلب السجن. وهي تؤكد أن المشانق لم تعد تصنع الصمت، وأن كل امرأة تقاوم خلف القضبان تتحول إلى صوت لمجتمع كامل يرفض الاستبداد ويؤمن بأن فجر الحرية أقرب من أي وقت مضى.

إرسال التعليق

You May Have Missed