أحكام إعدام جماعية تكشف خوف نظام الملالي من انتفاضة يناير
أدان خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة أحكام الإعدام الصادرة بحق 12 شاباً إيرانياً على خلفية مشاركتهم في انتفاضة يناير/كانون الثاني 2026، محذرين من خطر داهم يهدد حياة عشرة منهم بعد تنفيذ حكم الإعدام بحق اثنين من المتهمين في 19 يوليو/تموز الجاري.
وفي بيان صدر في جنيف في 27 يوليو/تموز 2026، طالب الخبراء الأمميون سلطات النظام الإيراني بوقف تنفيذ هذه الأحكام فوراً وإلغائها، مؤكدين أن الحكم على 12 شخصاً بأقصى العقوبات في جلسة واحدة، داخل قاعة مغلقة، ومن دون توضيح المسؤولية الفردية لكل متهم، يمثل انتهاكاً صارخاً للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
وبحسب البيان، فإن المعتقلين، وهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين أواخر المراهقة وأوائل العشرينات، تعرضوا للاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب داخل المعتقلات. وتعود القضية إلى اتهامهم بالضلوع في مقتل أربعة من عناصر الأمن وأعمال حرق وتخريب خلال مظاهرات 8 يناير/كانون الثاني 2026 في ساحة عليخاني بمدينة أصفهان، غير أن هذه الاتهامات استندت، وفق الخبراء، إلى اعترافات قسرية بثتها وسائل الإعلام الحكومية، في حين بقيت لائحة الاتهام والأحكام طي السرية بسبب انعقاد الجلسات أمام محكمة الثورة خلف أبواب مغلقة.
وسلط الخبراء الضوء على قضية الشاب شروين باقريان جبيلي، الذي كان قد أتم الثامنة عشرة قبل أيام قليلة فقط من اعتقاله. وأشاروا إلى أن التلفزيون الحكومي بث اعترافاته القسرية قبل بدء المحاكمة، ومن دون تمكينه من اختيار محام مستقل. كما أكدوا أنه لم يكن يدرك حتى معنى تهمة «المحاربة» الموجهة إليه، وهي من أخطر التهم التي يستخدمها نظام الملالي لفرض أحكام الإعدام على المعارضين والمحتجين.
ويرى مراقبون أن هذه الأحكام لا تنفصل عن استراتيجية أوسع يعتمدها النظام لإرهاب المجتمع بعد انتفاضة يناير، خصوصاً مع اتساع الغضب الشعبي وتنامي دور الشباب ووحدات المقاومة في مواجهة أجهزة القمع. فالخبراء الأمميون أشاروا إلى أن النظام أعدم منذ بداية عام 2026 ما لا يقل عن 24 شخصاً على صلة باحتجاجات يناير، معظمهم من الشباب الذين مارسوا حقهم في التعبير والتجمع السلمي، بمن فيهم ناشطون شاركوا في انتفاضة 2022.
وأكد الخبراء أن الهدف الحقيقي من هذه الموجة من الإعدامات هو بث الخوف في المجتمع ومنع أي احتجاجات مستقبلية وإسكات أصوات المعارضة، لكنهم شددوا في الوقت نفسه على أن هذا القمع لن يؤدي إلا إلى تعميق الغضب الشعبي واتساع الهوة بين النظام والمجتمع.
وتأتي هذه الإدانة الأممية في وقت يتزايد فيه التحذير الدولي من تجاهل الملف الحقوقي في أي تفاهمات سياسية أو أمنية مع النظام الإيراني. فقد رحب خبراء الأمم المتحدة، بالتزامن مع مواقف المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، بتوقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، لكنهم حذروا من أن أي اتفاق نهائي لا يعالج الوضع الإنساني المتدهور بصورة بنيوية سيبقى ناقصاً، لأنه يركز على الأبعاد الجيوسياسية والعسكرية ويتجاهل معاناة الشعب الإيراني من القمع الداخلي.
وفي هذا السياق، أكدت مواقف حقوقية وسياسية أن نداء ملايين الإيرانيين من أجل التغيير الجذري يجب أن يُسمع، وأن الأزمة الإيرانية لا يمكن اختزالها في الملف النووي أو التوازنات الإقليمية، بينما يواصل النظام استخدام الإعدام والتعذيب والمحاكمات السرية كأدوات للبقاء في السلطة.
وكانت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، قد أدانت الإعدامات المتتالية التي تستهدف الشباب الثوار ومجاهدي الحرية، ولا سيما صناع انتفاضة يناير 2026، معتبرة أن استمرار هذه الإعدامات دليل جديد على تواصل انتفاضة الشعب الإيراني وخوف النظام من انفجار الغضب الشعبي. وشددت على أن النظام لن يتخلى عن الاعتقالات والإعدامات والانتهاك المستمر لحقوق الإنسان، كما لن يتخلى عن صنع القنبلة النووية والحرب والإرهاب، لكنه في المقابل لن يصمد أمام الانتفاضة والمقاومة المنظمة.
كما برز هذا الملف خلال المؤتمر الدولي الذي عقد في العاصمة الإيطالية روما، بحضور ومشاركة مريم رجوي وعدد من رؤساء الوزراء والوزراء السابقين وأعضاء مجلس الشيوخ والبرلمانيين وشخصيات سياسية وحقوقية من مختلف البلدان. وقد أكد المتحدثون في المؤتمر ضرورة دعم مطلب الشعب الإيراني في الحرية وإرساء جمهورية ديمقراطية، وأدانوا سياسة القمع والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان والموجة المتزايدة للإعدامات في إيران، مطالبين بإنهاء إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب واعتماد سياسة حازمة تجاه نظام الملالي.
ورغم تصاعد المخاطر، يواصل السجناء السياسيون والناشطون داخل إيران احتجاجاتهم السلمية، ولا سيما من خلال حملة «ثلاثاءات لا للإعدام» والاعتصامات المستمرة في سجن قزلحصار. وقد دعا خبراء الأمم المتحدة سلطات النظام إلى الاستجابة لهذه النداءات وفرض حظر فوري على عقوبة الإعدام تمهيداً لإلغائها الكامل، وضمان الالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وتكشف هذه الإدانة الأممية أن ملف الإعدامات في إيران لم يعد شأناً داخلياً يمكن للنظام إخفاؤه خلف المحاكمات السرية والاعترافات القسرية. فمع كل حكم إعدام جديد، تتضح أكثر طبيعة نظام لا يجد وسيلة لمواجهة المجتمع إلا بالمشانق، ولا يستطيع تقديم جواب سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي لأزمات البلاد سوى القمع والترهيب. غير أن استمرار الاحتجاجات، وصمود السجناء، واتساع النداءات الدولية، تؤكد أن سياسة الموت لم تنجح في إسكات صوت الشعب الإيراني، بل جعلت مطلب التغيير أكثر إلحاحاً أمام العالم.



إرسال التعليق